أحمد بن علي القلقشندي

393

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

على أنه قد أرضع بلبانها وربّي في حجرها ، وانتسب إليها بالبنوّة فضمّته إلى صدرها ، وكيف لا تتشبّث بحباله ، وتتعلَّق بأذياله ، وتطمع في قربه ، وتتغالى في حبّه ، وتميل إلى أنسه ، وتراوده عن نفسه ، وهو كفؤها المستجمع لشرائطها المتّصف بصفاتها ، ونسيبها السامي إلى أعاليها الراقي على شرفاتها ، إذ هو شبلها الناشئ في آجامها ، بل أسدها الحامي لحماها ومجيرها الوافي بذمامها ، وفارسها المقدّم في حلبة سباقها ووارثها الحائز لجميع سهامها ، وحاكمها الطائع لأمرها ، ورشيدها المأمون على سرّها ، وناصرها القائم بواجبها ، ومهديّها الهادي إلى أفضل مذاهبها ؟ قد التحف من الخلافة بردائها ، وسكن من القلوب في سويدائها ، وتوسّمت الآفاق تفويض الأمر إليه بعد أبيه فظهر الخلوق في أرجائها ، واتّبع سيرة أبيه في المعروف واقتفى أثره في الكرم ، وتشبّه به في المفاخر ( ومن يشابه أبه فما ظلم ) وتقبّل اللَّه دعاء أبيه فوهب له من لدنه وليّا ، وأجاب نداءه فيه فمكَّن له في الأرض وآتاه الحكم صبيّا ، فاستوجب أن يكون حينئذ للمسلمين وليّ عهدهم ، واليا على أمورهم في حلَّهم وعقدهم ، متكفّلا بالأمر في قربه وبعده ، معينا لأبيه في حياته خليفة له من بعده ، وأن يصرّح له بالاستخلاف ويوضّح ، ويتلو عليه بلسان التفويض * ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ) * ( 1 ) . واقتضت شفقة أمير المؤمنين ورأفته ، ورفقه بالأمة ورحمته ، أن ينصب لهم وليّ عهد يكون بهذه الصّفات متّصفا ، ومن بحره الكريم مغترفا ، ومن ثمار معروفه المعروف مقتطفا ، ولمنهله العذب واردا ، وعلى بيته الشريف وسائر الأمّة بالخير عائدا ، فلم يجد من هو مستكمل لجميعها ، مستوعب لأصولها وفروعها ، وهو بمطلوبها أملى ، وعلى قلوب الرعيّة أحلى ، وللغليل أشفى ، وبالعهد الجميل أوفى ، من ولده المشار إليه . فاستشار في ذلك أهل الحلّ والعقد من قضاته وعلمائه ، وأمرائه ووزرائه ، وخاصّته وذويه ، وأقاربه وبنيه ،

--> ( 1 ) سورة الأعراف 7 ، الآية 142 .